المحقق البحراني

426

الحدائق الناضرة

منتف في هذه الصلاة حال الغيبة وإنما يبقى الجواز بالمعنى الأعم ، والمراد منه استحبابها بمعنى كونها أفضل الفردين الواجبين تخييرا أعني الجمعة والظهر لا أنه ينوي الاستحباب لأن ذلك منتف عنها على كل حال باجماع المسلمين بل إما تجتمع شرائطها فتجب أو تنتفى فتسقط ، وقد عرفت أيضا أن هذا الحكم وهو وجوبها تخييرا وإن كان أفضل الفردين لا دليل عليه إلا ما ادعوه من الاجماع ولم يدعه منهم صريحا سوى ما ظهر من عبارة التذكرة ودونها في الدلالة عبارة الشهيد في الذكرى ، فإنه قال فيها : إذا عرفت ذلك فقد قال الفاضلان يسقط وجوب الجمعة حال الغيبة ولا يسقط الاستحباب ، وظاهرهما أنه لو أتى بها كانت واجبة مجزئة عن الظهر . . . إلى قوله ونقل الفاضل فيه الاجماع - وقد تقدمت العبارة المذكورة كملا - ثم قال : وفي هذه العبارة مع ما اشتملت عليه من المبالغة اشعار بعدم ظهور الاجماع عنده ومن ثم نسبه إلى الفاضل ، وقد عرفت مما حكيناه من عبارات المتقدمين ما يقدح في الاجماع وعمل الطائفة معا ، ولعله أشار بقوله : " وربما قيل بالوجوب المضيق " إلى ذلك . والظاهر أن عمل الطائفة لا يتم إلا في المتأخرين منهم أو من بعضهم لا من الطائفة مطلقا لما سمعت من كلام المتقدمين الذين هم عمدة فقهاء الطائفة . وما اقتصرت على من ذكرت لخصوصية قولهم في ذلك بل لعدم وقوفي على مصنفاتهم ولا على باقي مصنفات من ذكرت ، وفي وجود ما نقلته في ما حضرني من ذلك دليل بين على أن ذلك من الأحكام المقررة عندهم المفروغ عنها لأن أحدا منهم لم نقل في ذلك خلافا فكيف يتم للمتأخرين الحكم بخلافه ؟ ولا يخفى عليك أن مجرد عمل الطائفة على هذا الوجه لا يكون حجة ولا قريبا منها خصوصا مع دلالة الأدلة القاطعة من الكتاب والسنة على خلاف ذلك فكيف مع انحصار القول في قليل منهم ؟ والقدح في ذلك بمعلومية نسب المخالف مشترك الالزام إن لم يكن في جانب المخالف أرجح لما عرفت من أن القائل بالوجوب العيني أكثر من القائل بالتخييري مع اشتراكهما في الوصف ( 1 ) .

--> ( 1 ) لا يخفى أن عمل الطائفة في مثل هذه المسألة يكشف بنحو القطع عن مطابقته للحكم الشرعي ، إذ لازم المخالفة بينهما هو خفاء الحكم على الطائفة وهو في مثل هذه المسألة التي تعم بها البلوى وفي هذه الفريضة المعظمة التي إقامتها من أعظم شعائر الدين مع كثرة ما ورد فيها من الآية والأخبار الواضحة الدلالة - كما ادعوا - والتأكيدات والتشديدات - مستحيل عادة كما يظهر ذلك جليا بالرجوع إلى التعليقة 5 ص 386 ، وقد تقدم عن الشهيد ( قدس سره ) ص 415 أن عمل الطائفة على عدم الوجوب العيني في سائر الأعصار والأمصار . وصرح الشهيد الثاني ( قدس سره ) بذلك في رسالته ص 60 حيث قال في الجواب عن استئناس بعض الأصحاب للوجوب التخييري بظاهر روايتي زرارة وعبد الملك - والذي يظهر لي أن السر في تهاون الجماعة بصلاة الجمعة ما عهد من قاعدة مذهبهم لأنهم لا يقتدون بالمخالف ولا بالفاسق والجمعة إنما تقع في الأغلب من أئمة المخالفين ونوابهم . . . إلى أن قال فكانوا يتهاونون بها لهذا الوجه ، ولما كانت الجمعة من أعظم فرائض الله تعالى وأجلها ما رضي الإمام ( ع ) لهم بتركها مطلقا فلذلك حثهم على فعلها حيث يتمكنون منها . وعلى هذا الوجه استمر حالها مع أصحابنا إلى هذا الزمان فأهمل لذلك الوجوب العيني وأثبت التخييري لوجه نرجو من الله تعالى أن يعذرهم فيه وآل الحال منه إلى تركها رأسا في أكثر الأوقات ومعظم الأصقاع مع إمكان إقامتها على وجهها . وما كان حق هذه الفريضة المعظم أن يبلغ بها هذا المقدار من التهاون بمجرد هذا العذر الذي يمكن رفعه في كثير من بلاد الايمان سيما هذا الزمان . انتهى . فهو ( قدس سره ) يصرح بأن السيرة مستمرة من زمن الأئمة ( ع ) إلى زمانه على ترك الجمعة ، وقد تقدم في كلام الفقيه السبزواري ( قدس سره ) ص 391 ما هو صريح في ذلك أيضا ، فاستمرار السيرة العملية على ترك الجمعة - من زمن الأئمة " ع " إلى زماننا هذا في جميع بلاد الشيعة إلا في بعض الأزمنة والأمكنة على وجه الندور غير قابل للانكار . ولا يخفى أن ما صرح به الشهيد الثاني " قدس سره " من استمرار السيرة على الترك يناقض ما أفاده في كلامه المنقول في المتن من انحصار القائل بالوجوب التخييري في قليل من المتأخرين إلا أن يلتزم بما لا يمكن أن يلتزم به أحد من الإمامية وهو أن معظم فقهاء الإمامية كانوا يرون الوجوب التعييني وأطبقوا على مخالفة فتاويهم واستمروا على ترك هذه الفريضة المعظمة من دون مسوغ . وبذلك تعرف ما في كلام المحدث الكاشاني المتقدم ص 391 و 392 من نسبة القول بالوجوب التخييري إلى طائفة من متأخري الأصحاب ، وقد نسبه المصنف " قدس سره " إلى المشهور ص 408 و 420 و 421 ولكنه سينفي الشهرة عنه في ما سيأتي من كلامه بعد الوجه الخامس .